ابن كثير

220

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

موحدين مخلصين للّه مستجيبين له . قال اللّه تعالى : أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا أي هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم الثاني ، ولهذا قال : بِما صَبَرُوا أي على اتباع الحق ، فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس ، وقد ورد في الصحيح من حديث عامر الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي ، وعبد مملوك أدى حق اللّه وحق مواليه ، ورجل كانت له أمة ، فأدبها فأحسن تأديبها ، ثم أعتقها فتزوجها » « 1 » . وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني ، حدثنا ابن لهيعة عن سليمان بن عبد الرحمن عن القاسم بن أبي أمامة قال : إني لتحت راحلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الفتح ، فقال قولا حسنا جميلا ، وقال فيما قال : « من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين وله ما لنا وعليه وما علينا ومن أسلم من المشركين فله أجره وله ما لنا وعليه ما علينا » . وقوله تعالى : وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أي لا يقابلون السيئ بمثله ، ولكن يعفون ويصفحون وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خلق اللّه في النفقات الواجبة لأهليهم وأقاربهم ، والزكاة المفروضة والمستحبة من التطوعات وصدقات النفل والقربات . وقوله تعالى : وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ أي لا يخالطون أهله ولا يعاشرونهم ، بل كما قال تعالى : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [ الفرقان : 72 ] وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي إذا سفه عليهم سفيه وكلمهم بما لا يليق بهم الجواب عنه ، أعرضوا عنه ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح ، ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب ، ولهذا قال عنهم إنهم قالوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها . قال محمد بن إسحاق في السيرة : ثم قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة ، فوجدوه في المسجد ، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه ، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ، فلما فرغوا من مساءلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عما أرادوا ، دعاهم إلى اللّه تعالى وتلا عليهم القرآن ، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ، ثم استجابوا للّه وآمنوا به وصدقوه ، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره ، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش ، فقالوا لهم : خيبكم اللّه من ركب ، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل ، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال : قال : ما نعلم ركبا أحمق

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في العلم باب 31 ، ومسلم في الإيمان حديث 241 . ( 2 ) المسند 5 / 259 .